ابن ميثم البحراني

19

شرح نهج البلاغة

ولا تطويل مملّ ، وأمّا الفصاحة فهو خلوص الكلام من التعقيد وأصله من الفصيح وهو اللبن إذا أخذت رغوته وذهب لباؤه وقد فصح وأفصح إذا صار كذلك وأفصحت الشاة فصح لبنها ثمّ قالوا أفصح العجميّ فصاحة فهو فصيح إذا خلصت لغته عن اللكنة واللحن ، ثمّ إنّ الفصاحة عند أربابها ليست باستعمال الشوارد الَّتي لا تفهم وإنّما هي باستعمال ما يقرب فهمه ويعذب استماعه ويعجب ابتداعه وتدلّ مطالعه على مقاطعه وتتمّ مباديه على تواليه ، وأكثر البلغاء لا يكادون يميّزون بين البلاغة والفصاحة بل يستعملونهما استعمال اللفظين المترادفين على معنى واحد ومنهم من يجعل البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ ، والأقرب أنّ الفصاحة سبب للبلاغة ، والبلاغة أعمّ منها لغة إذ قد يبلغ غير الفصيح بعبارته أقصى مراده ، ومساوية لها في عرف العلماء . وتلخيص مفهوميهما أنّ الفصاحة هي خلوص الكلام في دلالته على معناه من التعقيد الموجب لقرب فهمه ولذاذة استماعه ، والبلاغة هي كون الكلام الفصيح موصلا للمتكلَّم إلى أقصى مراده وباللَّه التوفيق . البحث الثاني في موضوع علم الفصاحة والبلاغة لمّا كان المقصود من الكلام هو إفادة المعنى وكانت هذه الإفادة كما علمت قد تكون وضعيّة صرفه وقد تكون بمشاركة من الوضع والعقل فنقول : موضوع علم الفصاحة هو الكلام الدالّ على معناه بإحدى الدلالات الثلاث من حيث هو على حالة موجبة لقرب فهمه ولذاذة استماعه ، وموضوع البلاغة هو الكلام الفصيح ، وقال الإمام : إنّ الفصاحة والبلاغة إنّما يكون موضوعهما الكلام من جهة دلالته بالالتزام وذلك لأنّ الإفادة الوضعيّة يستحيل تطرّق الزيادة والنقصان إليها فإنّ السامع للفظ الموضوع إن كان عالما بكونه موضوعا لمعناه علم مفهومه بتمامه وإن لم تكن عالما بالوضع لم يتصوّر منه شيئا مثاله إنّك إذا أردت تشبيه زيد بالأسد في الشجاعة وقصدت التعبير عن هذا المعنى بالدلالة الوضعيّة فقلت زيد يشبه الأسد في شجاعته فالزيادة والنقصان في هذه الإفادة بما يعود إلى مفردات هذه الألفاظ غير متصوّرين ولو أقمت مقام هذه الألفاظ ما يراد فها فالحال كذلك للدليل المذكور ، وتبيّن من هذا أنّ الإيجاز والاختصار والحذف والإضمار يستحيل تطرّقها إلى الدلالات الوضعيّة ، ولهذا كان أكثر ما يستعمل في العلوم العقليّة الدلالات الوضعيّة لعدم احتمالها الزيادة والنقصان الموجبين